
الدكتور/ جاسم عبدالله بوسبعة
التنمية كعمليات ومراحل لم تكن جامدة وإنما تطورت مع الوقت ومع الظروف والمستجدات والتطورات التي حدثت في مكونات البيئة المحيطة سواء الاقتصادية – الاجتماعية – الثقافية – السياسية - المؤسسية والبيئية، هذه التطورات لم تحدث بشكل تلقائي أو عفوي، بل كانت نتاج لدروس مستفادة وقصص نجاح وإخفاقات حدثت لدى المجتمعات المحلية المستهدفة بمشاريع التنمية والمساعدات الإنسانية، هذه الدروس المستفادة شكلت متطلبات وضرورات للجهات المانحة بضرورة تطوير أساليب واستراتيجيات التخطيط والتنفيذ للمشاريع والتدخلات التنموية. من هنا تتضح عملية الترابط في المفاهيم ودوافع التطور التاريخي لكل مفاهيم ومستويات التنمية وأساليب ومستويات التخطيط والتي شكلت خارطة طريق في الوصول إلى منهجية المشاركة المجتمعية والتخطيط التنموي بمشاركة المجتمع وبالتالي الوصول إلى تنمية مستدامة وعادلة.
في ضوء ذلك التطور لمفاهيم ودوافع التطور التاريخي لكل مفاهيم ومستويات التنمية وأساليب ومستويات التخطيط أصبحت التنمية يشار لها التنمية التشاركية أو التنمية بالمشاركة وهي التنمية التي يتم من خلالها إشراك المستفيدين والمستفيدات من المجتمعات المحلية المستهدفة ولمختلف الفئات في مراحل وخطوات تحليل الأوضاع الحالية وتحديد وترتيب أولويات الاحتياجات/ المعوقات (ما نحن عليه الأن)، والتخطيط والتنفيذ لمشاريع ومبادرات مجتمعية لمساعدتنا في الانتقال إلى الأفضل (ما نرغب أن نكون عليه في المستقبل).
بالمقابل نجد أن التخطيط التنموي بمشاركة المجتمع للسلطات المحلية على مستوى المديريات هو في نهاية الأمر أسلوب تخطيطي حكومي يؤثر ويتأثر بأساليب ومستويات تخطيطية أعلى مثل التخطيط الإستراتيجي على مستوى المحافظات والتي بدورها تؤثر وتتأثر بمراحل ومحتويات التخطيط الاستراتيجي المركزي الشامل على المستوى الوطني اكتشاف المجالات والقضايا التي تعمل على إيجاد هذا الترابط والتأثيرات المتبادلة بين مختلف المستويات التخطيطية وعكسها في التوجهات والخطط التنموية للمديريات، خصوصا فيما يتعلق بالتكامل في المؤشرات والأهداف التنموية الحالية أو المؤشرات والأهداف المستقبلية بين هذه المستويات والتي ستعمل على تحقيق التكاملية بين خطط المديريات والمحافظات والمستوى الوطني وبالتالي ستكون ذات مصداقية عالية لدى الجهات الممولة.
ونتيجة لإهمال اشراك المجتمعات المحلية في تحديد وترتيب أولويات الاحتياجات وكذلك في تطوير الخطط التنموية بحيث اصبحت لا تتوافق مع احتياجات وهموم المستهدفين وغير متحسسة للنزاعات المجتمعية القائمة الكامنة أو النزاعات التي قد تنشأ عند مرحلة التنفيذ، مما يؤدي إلى فشل هذه الخطط والموازنات بسبب عدم واقعيتها في الموازنات وأيضا عدم تفاعل المجتمعات المحلية مع مراحل تنفيذها وتشغيلها وصيانتها وفي أغلب الأحيان تؤدي إلى تصارع مصالح نافذين فيتم توقفها (مشاريع متعثرة ومتوقفة) لا تخدم عملية بشكل عام التنمية.
من هنا جاءت توجهات الحكومة للتغلب على هذه الجوانب السلبية والمعوقات أمام النهوض بالتنمية المحلية وتحقيق تنمية محلية مستدامة، وحتى يتم التوافق والتناغم مع توجهات الحكومة اليمنية الهادفة إلى تفعيل منهجية المشاركة المجتمعية في حشد واستغلال أمثل للموارد والخبرات المتوفرة محليا مهما كانت شحيحة ودمجها بموارد وخبرات من خارج المجتمع من جهات وبرامج مانحة وشركات القطاع الخاص ومتبرعين من تجار ومغتربين، من خلال تأهيل وبناء قدرات السلطات المحلية (المجالس المحلية المنتخبة ومكاتب الأجهزة التنفيذية المعينة) بالإضافة إلى أعضاء وعضوات من المجتمعات المستهدفة ومنظمات ولجان مجتمعية واعدة في مشاركة وتفعيل المجتمعات المحلية في تحليل الأوضاع الحالية وبشكل متحسس للنزاعات المجتمعية، وتحديد وترتيب وتحليل أولويات الاحتياجات، والتخطيط المشترك لمبادرات تنموية مجتمعية ومن ثم في كيفية حشد الموارد والخبرات المتوفرة محليا في تنفيذ هذه المبادرات على مستوى المجتمعات المستهدفة (القرى والعزل)، وتطوير واشهار وتسويق الخطط بناء على أولويات الاحتياجات على مستوى القرى، وخطط المبادرات المجتمعية على مستوى العزل، وأخيرا في ضمان تكرار واستدامة مثل هذه الأنشطة مستقبلا من قبل أعضاء وعضوات من المجتمعات المستهدفة عن طريق التأهيل وبناء القدرات في منهجية تشكيل وتمكين لجان مجتمعية.
مما سيق ممكن إيجاز أن منهجية التخطيط التشاركي أتت متوافقة مع محاولات التغلب على الأثار السلبية الناجمة عن افتقار قيادات وأعضاء السلطات المحلية لمهارات وخبرات مشاركة وتفعيل المجتمعات المحلية في تحليل الأوضاع الحالية، تحديد وترتيب أولويات الاحتياجات/ المعوقات وتطوير خطط تنموية ومبادرات مجتمعية ومن ثم حشد موارد، خبرات هذه المجتمعات المتاحة مهما كانت شحيحة وتوظيفها في تنفيذ هذه المبادرات مع افتقارهم للمعارف والمهارات في كيفية ضمان استدامة مثل هذه الأنشطة والفعاليات.
وبالتالي فالتخطيط التشاركي يؤكد على إشراك المجتمع المحلي بكل أفراده وشرائحه وطبقاته الاجتماعية في عملية التنمية من خلال التنسيق في التوافق لتحديد الاحتياجات والأولويات للمشاريع والخدمات بما يلبي احتياجات المجتمع حرصا على تحقيق الاستدامة. وبهذا فالتخطيط التشاركي يساعد في خفض مستوى الفجوة بين كل من يخطط (مؤسسات ومنظمات تنموية) والمجتمع، من أجل تعزيز الشراكة التي تخدم التنمية المستدامة وفق معايير تضمن الجودة.
تُعد منهجية التخطيط التشاركي من أنسب المنهجيات التي تساعد على تحقيق التنمية المستدامة للخدمات والمشاريع التي تلبي احتياجات المجتمعات المحلية، فمنهجية التخطيط التشاركي جاءت لتتلاءم مع توجهات الحكومة نحو تحقيق اللامركزية عبر منظومة الحكم المحلي وصولاً لتحقيق وتطبيق الحكم الرشيد التي تسعى الحكومة إلى تحقيقه منذُ صدور قانون السلطة المحلية رقم (4) للعام (2000م) والإستراتيجية الوطنية للانتقال للحكم المحلي (2008م). حيث تركز هذه التوجهات الجديدة للحكومة على عدة محاور رئيسية تشكل أساس العملية التخطيطية للمحليات. أبرزها كالتالي:
- نقل مهام ومسئوليات عمليات التخطيط والتنفيذ والمتابعة والتقييم للبرامج والمشاريع التنموية من المستوى المركزي إلى المستوى المحلي عبر وحدات الحكم المحلي المنتخبة (المجالس المحلية) والمعينة (مكاتب الأجهزة التنفيذية)، بالإضافة إلى الإدارات والأقسام المساندة مع إيجاد التكامل والانسجام بين كلا المكونين.
- التكامل بين كلا المستويين (المركزي والمحلي) من خلال التكامل بين التوجهات والأهداف العامة والسياسات ومؤشراتها للخطط الإستراتيجية الوطنية وبين الأهداف القياسية ومؤشراتها والبرامج والمشاريع على المستوى المحلي.
- باعتبار منظومة الحكم المحلي هي السلطة الأقرب للمواطنين المستهدفين النهائيين من العملية التخطيطية فقد تم تخويلها مهام ومسئوليات التواصل مع المجتمعات المحلية لضمان مشاركتهم وبفاعلية في مراحل وخطوات التخطيط المحلي لضمان تفاعلهم وتنمية شعور التملك لديهم للبرامج والمشاريع التنموية التي سيجري تنفيذها في مناطقهم.
- ربط مراحل وخطوات التخطيط المحلي بحركة الموازنة العامة للدولة خصوصا تقديرات الموارد المحلية، المشتركة، العامة المشتركة والدعم المركزي بشقيه الاستثماري والجاري، وبالتالي فقد تم ربط مراحل عملية التخطيط للسنة القادمة، تنفيذ البرامج والمشاريع للسنة الحالية وتقييم الانجازات للخطة للسنة الماضية بإطار زمني محدد ولذلك سميت دورة الخطة والموازنة للمحليات.
ومن أهم فوائد العمل بمنهجية التخطيط التشاركي:
تنمية وبناء قدرات السلطات المحلية بالإضافة إلى قدرات المكونات المجتمعية في مجال منهجية المشاركة المجتمعية ومراحل تطوير الخطة التنموية التشاركية، وتحقيق تنمية محلية مستدامة من خلال التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات المحلية، مع تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التمكين وتفعيل دورها في مواجهة كافة التحديات، توفير آلية محددة وواضحة للتخطيط التشاركي التي تربط السلطات المحلية مع كافة المكونات المختلفة للمجتمع المحلي وكذلك توفير علاقة تنسيقية مستدامة مع الجهات الداعمة والمانحة، وحشد الجهود والموارد والخبرات المتوفرة محلياً وتوظيفها في تنفيذ المبادرات المجتمعية التنموية (الذاتية)، وتمكين السلطات المحلية من القدرة على العمل المؤسسي الذي يساهم في تحقيق التنمية المستدامة من خلال المشاركة المجتمعية في صياغة الخطط الاستراتيجية المبنية على منهجية التخطيط التشاركي والتي تلبي احتياجات مجتمعاتهم المحلية وذلك لضمان تسويق الخطط للمانحين والداعمين المحليين والدوليين.